ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
212
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وكذلك فعل الحريري في مقاماته ؛ فإنه ذكر في الأحاجيّ التي جعلها على حكم الفتاوي كناية ومغالطة معنوية ، وظن أنهما من الأحاجيّ الملغزة ، كقوله : أيحلّ للصائم أن يأكل نهارا ، والنهار : من الأسماء المشتركة بين النهار الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى ؛ فإنه يسمى نهارا ، وإذا كان من الأسماء المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية ، لا من باب الأحاجيّ ، والإلغاز شيء منفصل عن ذلك كله ، ولو كان من جملته لما قيل : لغز ، وأحجيّة ، وإنما قيل : كناية ، وتعريض ، أو مغالطة ، ولكن وجد من الكلام ما يطلق عليه الكناية ، ومنه ما يطلق عليه التعريض ، ومنه ما يطلق عليه المغالطة ، ومنه شيء آخر خارج عن ذلك ؛ فجعل لغزا وأحجية . وكنت قدّمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب المجاز ، فهو يحمل عليهما معا ، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من دلالته عليه حقيقة ولا مجازا ، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان : أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي ، والآخر دلالة اللفظ على المعنى ونقيضه . وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد ، وهو : كل معنى يستخرج بالحدس والحزر ، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ، ويفهم من عرضه ؛ لأن قول القائل في الضرس : وصاحب لا أملّ الدّهر صحبته * يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد « 1 » ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت * عيني عليه افترقنا فرقة الأبد لا يدل على أنه الضرس ، لا من طريق الحقيقة ، ولا من طريق المجاز ، ولا من طريق المفهوم ، وإنما هو شيء يحدس ويحزر ، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه .
--> ( 1 ) في ج « لا أمن الدهر صحبته » بالنون ، وهو تحريف ، وما أثبتناه عن ا ، ب ، د .